الأربعاء، 24 أغسطس 2016

◑▽◐● هنا ستكون دروس العقيدة "الفوائد الجلية في توحيد رب البرية " الموضوع متجدد ◑▽◐●


السلام عليكم ورحمة الله وبركاته



هنا بإذن الله تعالى
سنضيف بشكل مستمر دروس العقيدة
حتى يسهل على الجميع العودة
والرجوع اليها بشكل مبسط


كل التوفيق للجميع


الدرس الاول
بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد الله الواحد الأحد الفرد الصمد تنزه عن كل نقص وعيب وعن الصاحبة والولد ليس كمثله شيء وهو السميع البصير ، ثم الصلاة والسلام على إمام الموحدين وسيد الأولين والآخرين وعلى آله وأصحابه الطيبين الطاهرين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين ...
أما بعد ,,
فهذه فوائد في باب التوحيد جمعتها من كتب أهل العلم ثم رتبتها أقصد بها تقريب العلم لطالبيه وبيان الحق لقاصديه .


الفائدة الأولى/ تعريف التوحيد
هو إفراد الله سبحانه وتعالى بما يختص به من ربوبية وألوهية وأسماء وصفات .
قال تعالى : {رَبُّ السَّمَوَات ِوَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّا}مريم65

الفائدة الثانية/ أقسام التوحيد
ينقسم التوحيد إلى ثلاثة أقسام :
القسم الأول : توحيد الربوبية
وهو إفراد الله جل وعلا بالخلق والملك والتدبير.
قال تعالى : {وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ}الصافات96
وقال تعالى : {وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ}النور42
وقال تعالى : {قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنْ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنْ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنْ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ * فَذَلِكُمْ اللَّهُ رَبُّكُمْ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلاَّ الضَّلالُ فَأَنَّا تُصْرَفُونَ}يونس31-32
القسم الثاني : توحيد الألوهية
هو إفراد الله بالعبادة .
قال تعالى : {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ}الذاريات56
وقال تعالى : {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنْ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ}النحل36
وعن معاذ رضي الله عنه أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال : (حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً) .
القسم الثالث : توحيد الأسماء والصفات
هو إثبات ما أثبت الله لنفسه من الأسماء والصفات، ونفي ما نفاه عنه من الصفات على الوجه اللائق به من غير تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل ولا تحريف .
قال تعالى : {وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُواْ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَآئِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ }الأعراف180
وقال تعالى : {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ}الشورى11
وقال تعالى : {وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ}الإخلا



الفائدة الثالثة / التوحيد أول واجب على العبيد
قال تعالى : {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ }محمد19
وقال تعالى : {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُواْ اللّهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ فَمِنْهُم مَّنْ هَدَى اللّهُ وَمِنْهُم مَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ فَسِيرُواْ فِي الأَرْضِ فَانظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ}النحل36
عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : لما بعث النبي صلى الله عليه وسلم معاذاً نحو اليمن قال له: (إنك تقدم على قوم من أهل الكتاب فليكن أول ما تدعوهم إلى أن يوحدوا الله تعالى) .

الفائدة الرابعة / ثمرات التوحيد
1- التوحيد الخالص يثمر الأمن التام في الدنيا والآخرة .
قال تعالى : {الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمْ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ}الأنعام82
2- التوحيد يغفرُ الله به الذنوب ، ويُكفر به السيئات .
ففي الحديث القدسي عن أبي ذر رضي الله عنه يرفعه : ( ومن لقيني بقراب الأرض خطيئة لا يشرك بي شيئاً لقيته بمثلها مغفرة) .
3- التوحيد يدخل صاحبه الجنة .
عن عبادة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (من قال أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأن محمداً عبده ورسوله ، وأن عيسى عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه ، والجنة حق والنار حق , أدخله الله الجنة على ما كان من العمل) .

وفي حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : من مات لا يشرك بالله شيئاً دخل الجنة) .
4- التوحيد يمنع دخول النار بالكلية إذا كمل في القلب .
ففي حديث عتبان رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم : ( إن الله حرم على النار من قال : لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله ) .
5- التوحيد السبب الأعظم لنيل شفاعة المصطفى صلى الله عليه وسلم .
عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال : قيل يا رسول الله من أسعد الناس بشفاعتك يوم القيامة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لقد ظننت يا أبا هريرة أن لا يسألني عن هذا الحديث أحد أول منك ، لما رأيت من حرصك على الحديث ، أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة من قال لا إله إلا الله خالصا من قلبه أو نفسه) .

الفائدة الخامسة / من أفرد الله في الربوبية ولم يفرده في الألوهية لم يكن موحداً حتى يفرده في الألوهية
فالكفار الذين قاتلهم رسول الله صلى الله عليه وسلم مُقِرُّون بأن الله تعالى هو الخالق المدبر، وأن ذلك لم يدخلهم في الإسلام ، والدليل قوله تعالى : {قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنْ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنْ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنْ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ}يونس31

الفائدة السادسة / من أقرَّ بتوحيد الربوبية لزمه الإقرار بتوحيد الألوهية
قال تعالى:{ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ،الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشاً وَالسَّمَاء بِنَاء وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَّكُمْ فَلاَ تَجْعَلُواْ لِلّهِ أَندَاداً وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ}البقرة21-22


فأمرهم بتوحيد الألوهية ، وهو عبادته ُ، واحتَجَّ عليهم بتوحيد الرُّبوبية الذي هو خلقُ الناس الأولين والآخرين ، وخلقُ السماءِ والأرضِ وما فيهما ، وتسخير الرياح وإنزالُ المطر وإنباتُ
النبات ، وإخراج الثمرات التي هـي رزق العبـاد ، فلا يليـق بهم أن يُشركوا معه غيره ممن يعلمون أنه لم يفعل شيئًا من ذلك ، ولا من غيره ، فالطريق الفطـري لإثبات توحـيد الألوهية: الاستدلال عليه بتوحيد الربوبية


الدرس الثاني
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته


نبدأ الدرس الثاني بعد حمدالله والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين


وعلى آله وصحبه أجمعين ..


الفائدة السابعة/ معنى (لا إله إلا الله)
معناها : لا معبود بحق إلا الله .
قال تعالى : {ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ}لقمان30
وقال تعالى : {وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ}الأحقا

الفائدة الثامنة / أركان لا إله إلا الله

لكلمة التوحيد (لا إله إلا الله) ركنان :
الأول/ النفي : هو نفي الألوهية عمن سوى الله .
الثاني/ الإثبات : هو إثبات الألوهية لله وحده سبحانه وتعالى .
قال الله تعالى : {... فمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدْ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لا انفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ}البقرة25

الفائدة التاسعة/ شروط لا إله إلا الله
1- العلم : أي بمعناها المراد منها نفياً وإثباتاً ، المنافي للجهل بذلك .
قال الله تعالى : {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ}محمد19
وعن عثمان رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (من مات وهو يعلم
أنه لا إله إلا الله دخل الجنة) .
2- اليقين : أي المنافي للشك .
قال تعالى : {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمْ الصَّادِقُونَ}الحجرات15
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (أشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله لا يلقى الله بهما عبد غير شاك فيهما إلا دخل الجنة) .
3- القبول : لما اقتضته هذه الكلمة بقلبه ولسانه .
قال الله تعالى : {إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ * وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُوا آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ}الصافات35-36 ، فجعل الله تعالى علة تعذيبهم وسببه هو استكبارهم عن قول:لا إله إلا الله ، وتكذيبهم من جاء بها ، فلم ينفوا ما نفته ، ولم يثبتوا ما أثبتته.
4- الانقياد : لما دلت عليه المنافي لترك ذلك.
قال تعالى : {وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ}الزم4
وقال تعالى : {فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً}الزمر65
وقال صلى الله عليه وسلم : (لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لما جئت به) .
5- الصدق : المنافي للكذب ، وهو أن يقولها صدقاً من قلبه يواطئ قلبه لسانه .
أخبر الله سبحانه عن المنافقين فقال : {وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ * يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ}البقرة8-9
وعن معاذ بن جبل رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (ما من أحد يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله صدقاً من قلبه إلا حرمه الله على النار) .
6- الإخلاص : وهو تصفية العمل بصالح النية عن شوائب الشرك .
قال تعالى : {أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ}الزمر3
وفي الصحيح عن عتبان بن مالك رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (إن الله حرم على النار من قال : لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله) .
7- المحبة : لهذه الكلمة ولما اقتضته ودلت عليه ، ولأهلها العاملين الملتزمين لشروطها ، وبغض ما ناقض ذلك .
قال تعالى : {وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً لِلَّهِ}البقرة165
وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين) .

الفائدة العاشرة/ فضل لا إله إلا الله
1- أنها سبب مانع للخلود في النار لمن استحق دخولها :
جاء في حديث الشفاعة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (... ويخرج من النار من قال : لا إله إلا الله وفي قلبه وزن ذرة من خير) .
2- لأجلها خلقت الجن والإنس :
قال تعالى : {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ}الذاريات56
3- لأجلها أرسلت الرسل وأنزلت الكتب :
قال تعالى : {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ}الأنبياء25
4- هي أفضل الحسنات :
قال أبو ذر رضي الله عنه قلت : يا رسول الله أوصني ، قال : (إذا عملت سيئة فاتبعها حسنة تمحها قال : قلت يا رسول الله أمن الحسنات لا إله إلا الله ؟ قال : هي أفضل الحسنات) .
5- هي أفضل ما ذكر الله عز وجل به :
كما قال النبي صلى الله عليه وسلم : (.. وخير ما قلت أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير) .
6- هي أثقل شيء في الميزان :
عن عبد الله بن عمر رضي الله عنه : عن النبي صلى الله عليه وسلم : (أن نوحاً عليه السلام قال لابنه عند موته : آمرك بلا إله إلا الله فإن السماوات السبع والأرضين السبع لو وضعت في كفة ، ووضعت لا إله الا الله في كفة رجحت بهن لا إله إلا الله ، ولو أن السماوات السبع والأرضين السبع كن حلقة مبهمة قصمتهن لا إله إلا الله) .
وفي حديث صاحب البطاقة : فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم : (.. سيخلص رجل من أمتي على رؤوس الخلائق يوم القيامة ؛ فينشر عليه تسعة وتسعين سجلاً ، كل سجل مد البصر ، ثم يقول له : أتنكر شيئاً من هذا ؟ أظلمك كتبتي الحافظون ؟ فيقول : لا يا رب. فيقول : أفلك عذر أو حسنة ؟ فيبهت الرجل ويقول : لا يا رب . فيقول : بلى إن لك عندنا حسنة ، وإنه لا ظلم عليك اليوم ، فيخرج له بطاقة فيها أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله ، فيقول : أحضر وزنك . فيقول : يا رب ما هذه البطاقة مع هذه السجلات ؟! فيقول : إنك لا تظلم . قـال : فتوضـع السجـلات في كفـة والبطـاقة في كفة،فطاشت السجلات وثقلت البطاقة . قال:ولا يثقل شيء بسم الله الرحمن الرحيم ) .
7- وهي أعلى شعب الإيمان :
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (الإيمان بضع وسبعون أو بضع وستون شعبة فأفضلها قول : لا إله إلا الله..) .
8- هي سبب لتفريج الكربات :
فمن فضائلها أنها السبب الأعظم لتفريج كربات الدنيا والآخرة ودفع عقوبتهما ، وكذا لما
كان يونس عليه السلام في بطن الحوت {فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنْ الظَّالِمِينَ}الأنبياء87
الفائدة الحادية عشرة / من الناس من يقول لا إله إلا الله ، وخرج من الإسلام لارتكابه ناقضاً من نواقض الإسلام
فإنه لا خلاف بين العلماء كلهم أن الرجل إذا صدّق رسول الله صلى الله عليه وسلم في شيء وكذّبه في شيء أنه كافر لم يدخل في الإسلام ، وكذلك إذا آمن ببعض القرآن وجحد بعضه كمن أقر بالتوحيد وجحد وجوب الصلاة ، أو أقر بالتوحيد والصلاة وجحد وجوب الزكاة ، أو أقر بهذا كله وجحد الصوم ، أو أقر بهذا كله وجحد الحج ، ولما لم يَنْقَدْ أناس في زمن النبي صلى الله عليه وسلم للحج أنزل الله في حقهم {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنْ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْ الْعَالَمِينَ}آل عمران97

الفائدة الثانية عشرة / معنى العبادة
للعبادة معنيان :
المعنى الأول : التعبد .
هو التذلل لله بما شرع محبةً وتعظيماً .
المعنى الثاني : المتعبد به .
هي اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة .
مثال ذلك : الصلاة
فإن المصلي يتذلل لله بالصلاة محبةً وتعظيماً هذا بالمعنى الأول , وهي من الأعمال الظاهرة التي يحبها الله وهذا بالمعنى الثاني .



الدرس الثالث
الفائدة الثالثة عشرة / حكم العبادة
العبادة واجبة على كل مكلف حتى يرتفع عنه التكليف لوجود مانع من موانع التكليف .
قال تعالى : {وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِين}الحجر99
قال بعض أهل العلم :
فلا ينفك العبد من العبودية ما دام في دار التكليف بل عليه في البرزخ عبودية أخرى لمَّا يسأله الملكان ( من كان يعبُد ؟ وما تقول في رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ ) ويلتمسان
منه الجواب . وعليه عبودية أخرى يوم القيامة يوم يدعو الله الخلق كلهم إلى السجود فيسجد المؤمنون ويبقى الكفار والمنافقون لا يستطيعون السجود فإذا دخلوا دار الثواب والعقاب انقطع التكليف هناك , وصارت عبودية أهل الثواب تسبيحاً مقروناً بأنفاسهم لا يجدون له تعباً ولا نصباً .

الفائدة الرابعة عشرة / أركان العبادة
للعبادة ثلاثة أركان :
الحب , الرجاء , ولخوف .
قال بعض السلف :
اعلم أن مُحركات القلوب إلى الله عز وجل ثلاثة : المحبة , والخوف , والرجاء وأقواها المحبة وهي مقصودة لذاتها لأنها تُراد في الدنيا والآخرة , بخلاف الخوف , فإنه يزول في الآخرة ... والخوف المقصود منه : الزجر والمنع من الخروج عن الطريق , فالمحبة تُلقي العبد في السير إلى محبوبه وعلى قدر ضعفها وقوتها يكون سيره إليها , والخوف يمنعه أن يخرج عن الطريق , والرجاء يقوده , فهذا أصل عظيم يجب على كل عبد أن يتنبه له , فإنه لا تحصل له العبودية بدونه , وكل أحد يجب أن يكون عبداً لله لا لغيره .
قال بعض المفسرين عند قوله تعالى : {أُولَـئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُوراً}الإسراء57 فابتغاء الوسيلة إليه طلب القرب منه بالعبودية والمحبة فذكر مقامات الإيمان الثلاثة التي عليها بناؤها الحب , والخوف , والرجاء .

الفائدة الخامسة عشرة / شروط العبادة
للعبادة شرطان : الإخلاص والمتابعة .
قال تعالى :{الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ}الملك2
قال الفضيل بن عياض رحمه الله :
هو أخلصه وأصوبه ، قالوا : يا أبا علي ، ما أخلصه وأصوبه ؟ فقال : إن العمل إذا كان خالصاً ولم يكن صواباًً لم يُقبل ، وإذا كان صواباً ولم يكن خالصاً لم يُقبل حتى يكون خالصاً صواباً ، والخالص ما كان لله ، والصواب أن يكون على السنة .

الفائدة السادسة عشرة / طرق الشيطان لإفساد العبادة
للشيطان خمس طرق ليفسد عليك العبادة :
1- يجاهدك على أن يكون عملك لغير الله وعلاج ذلك بإخلاص العمل لله .
2- يجاهدك على الابتداع وعلاج ذلك بمتابعة النبي صلى الله عليه وسلم بمعرفة هديه والعمل به .
3- يجاهدك على الغفلة وعلاج ذلك بحضور القلب واستشعار معاني التعبد في العبادة .
4- يجاهدك على أن تسمع بعبادتك وعلاج ذلك أن تجعل عبادتك سر بينك وبين الله .
5- يجاهدك على أن تعجب بعبادتك وتغتر بها وعلاج ذلك أن تعلم أن فعلك للعبادة بتوفيق الله وأن تنظر إلى تقصيرك في العبادة .

الفائدة السابعة عشرة / علامات قبول العبادة
من علامات قبول العبادة :
1- التوفيق للعلم النافع والعمل الصالح .
قال تعالى : {وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْواهُمْ}محمد17
فذكر للمهتدين جزاءين : العلم النافع ، والعمل الصالح .
2- تيسر الأمور.
قال تعالى : {فَأَمَّا مَن أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى } الليل5-6
أي نسهل عليه أمره , ونجعله ميسراً له كل خير , ميسراً له ترك كل شر لأنه أتى بأسباب اليسر , فيسر الله له ذلك .
3- وجود انشراح في الصدر ولذة بعد الفراغ من العبادة .
قال تعالى : {الَّذِينَ آمَنُواْ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللّهِ أَلاَ بِذِكْرِ اللّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ}الرعد28
قال بعض الصالحين عندما وجد لذة الطاعة وحلاوتها : (إنه ليمر بي أوقات أقول فيها إن
كان أهل الجنة في مثل هذا إنهم لفي عيش طيب) .

الفائدة الثامنة عشرة / حال من عبد غير الله
من عبد غير الله وزعم أنه لا يعبدهم فله ثلاثة أحوال :
الأول : أن يكون جاهلاً بحقيقة العبادة فحينئذٍ يبين له حقيقة العبادة وأنه من صرف شيئاً منها لغير الله فقد أشرك بالله .
الثاني : أن يفسرها تفسيراً خاطئاً فحينئذٍ بُين له معناها الصحيح وأنه لا يجوز صرفها لغير الله.
الثالث : أن يعلم حقيقتها وأن صرفها لغير الله شرك ثم يُصر فهذا معاند مكابر لا تنفعه الآيات والنذر .








الدرس الرابع
الحمدلله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين

وعلى آله وصحبه أجمعين وعنا معهم بإحسان إلى يوم الدين ..،


الدرس الرابع :

الفائدة التاسعة عشرة / كل من عبد غير الله فهو مشرك أياً كان معبوده

لأن النبي صلى الله عليه وسلم ظهر على أناس متفرقين في عباداتهم

منهم من يعبد الملائكة ومنهم من يعبد الأنبياء والصالحين ،

ومنهم من يعبد الأحجار والأشجار ، ومنهم من يعبد الشمس والقمر

وقاتلهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يفرق بينهم ؛

والدليل قوله تعالى : {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ}الأنفال39

ودليل الشمس والقمر قوله تعالى:ِ {وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا

تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ}فصلت37

ودليل الملائكة قوله تعالى : {وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَاباً}آل عمران80

ودليل الأنبياء قوله تعالى : {وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ ءأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ

اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي

بِحَقٍّ إِنْ كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ}المائدة116


ودليل الصالحين قوله تعالى : {أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمْ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَه}الإسراء57

ودليل الأحجار والأشجار قوله تعالى : {أَفَرَأَيْتُمْ اللاَّتَ وَالْعُزَّى*وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأُخْرَى}النجم19-20

وحديث أبي واقد الليثي رضي الله عنه قال : (خرجنا مع النبي صلى الله عليه وسلم إلى حنين ونحن حدثاء عهد بكفر وللمشركين سدرة يعكفون عندها ، وينوطون بها أسلحتهم يقال لها ذات أنواط ، فمررنا بسدرة ، فقلنا : يارسول الله ، اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط...) .


الفائدة العشرون / أقسام الشرك
الشرك قسمان :
الأول : شرك أكبر مخرج من الملة وهو صرف شيء من العبادة لغير الله .
مثاله : السجود لغير الله تعظيماً للمسجود له .
الثاني : وهو ما أطلق عليه الشارع وصف شرك ولم يكن مخرجاً من الملة .
مثاله : الحلف بغير الله .



الفائدة الحادية والعشرون / أنواع الشرك الأصغر
الشرك الأصغر نوعان :
الأول : شرك خفي : كيسير الرياء .
الثاني : شرك ظاهر : وهو أقوال وأفعال ، فالأقوال كقول ما شاء الله وشئت ، والأفعال
كلبس الحلقة والخيط ونحوها لرفع البلاء ودفعه .


الفائدة الثانية والعشرون / الشرك الأصغر قد يرتقي ويصبح أكبراً وذلك بحسب ما يقوم بقلب المرء
مثاله : الحلف بغير الله شرك أصغر ، فإن اعتقد من حلف به بأنه مساوٍ لله فهذا شرك أكبر .


الفائدة الثالثة والعشرون / خطورة الشرك
1- الشرك سببٌ لضلال العبد في الدنيا والآخرة .
والدليل قوله تعالى : {وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً بَعِيداً}النساء116


2- الشرك الأكبر يحبط جميع الأعمال .
قال تعالى : {وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}الأنعام88 وقال تعالى : {وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنْ الْخَاسِرِينَ}الزمر65


3- الشرك الأكبر سبب للخلود في النار وحرمان الجنة .
قال تعالى : {إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ}المائدة72
وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : (من مات لا يشرك بالله شيئاً دخل الجنة ، ومن مات يشرك بالله شيئاً دخل النار) .


4- الشرك أعظم الظلم .
قال تعالى يحكي قول لقمان لابنه : {يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ}لقمان13


5- أن الله تعالى بريء من المشركين ورسوله صلى الله عليه وسلم .
قال تعالى : {وَأَذَانٌ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنْ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ}التوبة3


6- الشرك يطفئ نور الفطرة .
قال تعالى:{فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ
النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ}الروم30


7- الشرك الأكبر يبيح الدم والمال .
عن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ، ويقيموا الصلاة ، ويؤتوا الزكاة ؛ فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله) .



الفائدة الرابعة والعشرون / الفرق بين الشرك الأكبر والأصغر

1- الشرك الأكبر يُخرج من الإسلام ، والأصغر لا يخرج من الإسلام .

2- الشرك الأكبر يخلد صاحبه في النار ، والأصغر لا يخلد صاحبه في النار إن دخلها .

3- الشرك الأكبر يحبط جميع الأعمال ، والشرك الأصغر لا يحبط جميع الأعمال وإنما يحبط العمل الذي خالطه الرياء والعمل للدنيا .

4- الشرك الأكبر يبيح الدم والمال ، والأصغر ليس كذلك .

5- الشرك الأكبر يوجب العداوة بين صاحبه وبين المؤمنين ، فلا يجوز للمؤمنين مولاته ولو كان أقرب قريب ، وأما الشرك الأصغر فإنه لا يمنع الموالاة مطلقاً ، بل صاحبه يُحب ويوالى بقدر ما معه من التوحيد ، ويبغض ويعادى بقدر ما فيه من الشرك الأصغر .




الدرس الخامس

الفائدة الخامسة والعشرون / أسباب الوقوع في الشرك


- الجهل بحقيقة الشرك وعواقبه :
عن أبي واقد الليثي رضي الله عنه قال : (خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى حنين ، ونحن حدثاء عهد بكفر ، وللمشركين سدرة يعكفون عندها وينوطون بها أسلحتهم يقال لها : ذات أنواط ، فمررنا بسدرة ، فقلنا : يا رسول الله اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : الله أكبر ، إنها السنن ، قلتم والذي نفسي بيده كما قالت بنو إسرائيل لموسى عليه السلام : {اجْعَل لَنَا إِلَهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ}الأعراف138 لتركبن سنن من كان قبلكم) .

فالإنسان وإن كان عالماً قد يخفى عليه بعض أنواع الشرك ،وهذا يوجب على الإنسان أن يتعلم ويعرف حتى لا يقع في الشرك وهو لا يدري ، وأنه إذا قال : أنا أعرف الشرك وهو
لا يعرفه كان ذلك من أخطر ما يكون على العبد ، لأن هذا جهل مركب ، والجهل المركب شر من الجهل البسيط ؛ لأن الجاهل جهلاً بسيطاً يتعلم وينتفع بعلمه ، وأما الجاهل جهلاً مركباً فإنه يظن نفسه عالماً وهو جاهل فيستمر فيما هو عليه من العمل المخالف للشريعة .


2- قلة الخوف من الشرك :
قال تعالى حكاية عن إبراهيم الخليل عليه السلام : {وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الأَصْنَامَ}إبراهيم35
قال إبراهيم التيمي: (من يأمن البلاء بعد إبراهيم ؟ )


فإذا كان الخليل إمام الحنفاء الذي جعله الله أمة وحده وابتلاه بكلمات فأتمهن وقال : {وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى} ، وأمر بذبح ولده فامتثل أمر ربه ،

وكسر الأصنام واشتد نكيره على أهل الشرك ومع ذلك يخاف أن يقع في الشرك الذي هو عبادة الأصنام لعلمه أنه لا يصرفه عنه إلا الله بهدايته وتوفيقه لا بحوله هو وقوته .

قال الرسول صلى الله عليه وسلم : (إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر. قالوا : وما الشرك الأصغر يا رسول الله ؟ قال : الرياء) .


و إذا كان يخافه صلى الله عليه وسلم على أصحابه الذين وحدوا الله بالعبادة ورغبوا

إليه وإلى ما أمرهم به من طاعته فهاجروا وجاهدوا من كفر به ، وعرفوا ما دعاهم

إليه نبيهم ، وما أنزله الله في كتابه من الإخلاص والبراءة من الشرك ، فكيف لا

يخاف من لا نسبة له إليهم في علم ولا عمل مما هو أكبر من ذلك ؟! وقد أخبر

صلى الله عليه وسلم عن أمته بوقوع الشرك الأكبر فيهم بقوله في حديث ثوبان

الآتي ذكره : (لا تقوم الساعة حتى تلحق قبائل من أمتي المشركين ، وحتى تعبد

قبائل من أمتي الأوثان) . وقد جرى ما أخبر به صلى الله عليه وسلم وعمت به

البلوى في أكثر الأقطار حتى اتخذوه ديناً مع ظهور الآيات المحكمات ، والأحاديث

الصحيحة في النهي عنه والتخويف منه كما قال تعالى : {إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ

حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ}المائدة72 ، وقال : {فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنْ

الأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ * حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ}الحج30-31


3- حب لذة الحمد والثناء والمدح :
فمن الناس من يفعل الطاعة لينال ثناء الناس وحمده كمن يقاتل ليُقال أنه شجاع ، والعاقل
يطمع في مدح الله فمدح الله كله زين .

4- الفرار من الذم :
ومن الناس يفعل الطاعة ليفرَّ من ذمهم كمن يقاتل حتى لا يُقال عنه أنه جبان ، وكان الواجب عليه أن يفرَّ من ذم الله فذم الله كله شين .

5- الطمع فيما في أيدي الناس :
ويشهد لهذا ما جاء في حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال : (جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : الرجل يقاتل شجاعة ، ويقاتل حمية ، ويقاتل رياء ، فأي ذلك في سبيل الله ؟ قال صلى الله عليه وسلم : (من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله) .

6- الغلو في الصالحين :
ففي الصحيح عن ابن عباس رضي الله عنهما في قول الله تعالى : {وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا}نوح23، قال : هذه أسماء رجال صالحين مـن قوم نوح ، فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم : أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانـوا يجلسون فيها أنصابا وسموها بأسمائهم ، ففعلوا ولم تعبـد حتى إذ هلك أولئـك ونسـي العـلم ، عُبدت .


قال غير واحد من السلف : لما ماتوا عكفوا على قبورهم ثم صوروا تماثيلهم ثم طال عليهم
الأمد فعبدوهم .

وعن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : (لا تطروني كما أطرت النصارى ابن
مريم إنما أنا عبد . فقولوا : عبد الله ورسوله) .

وقال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (إياكم والغلو ، فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين) .


الفائدة السادسة والعشرون / موافقة المشركين في الظاهر تدعو لموافقتهم في الباطن
قال تعالى : {لا تَقُمْ فِيهِ أَبَدا}التوبة108

عن ثابت بن الضحاك رضي الله عنه قال : (نذر رجل على عهد رسول الله صلى

الله عليه وسلم أن ينحر إبلاً ببوانة ، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : إني نذرت أن أنحر إبلاً ببوانة ،
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : هل كان فيها وثن من أوثان الجاهلية يعبد ؟ قالو ا : لا ، قال : هل فيها عيد من أعيادهم ؟

قالوا : لا ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أوف بنذرك ، فإنه لا وفاء بنذر في معصية الله ، ولا فيما لا يملك بن آدم) .

فلما كان مسجد الضرار مما اتخذ العاصي ضراراً وكفراً وتفريقاً بين المؤمنين ،

نهى الله رسوله أن يقوم فيه مع أنه صلاته فيه لله ، فدل على أن كل مكان يعصى

الله فيه أنه لا يقام فيه ، فهذا المسجد متخذ للصلاة ، لكنه محل معصية فلا تقام

الصلاة فيه.. وقريب من ذلك النهي عن الصلاة عند طلوع الشمس وعند غروبها

لأنهما وقتان يسجد فيهما الكفار للشمس ، فهذا باعتبار الزمن والوقت ، و هذا

الحديث باعتبار المكان .

فإن المكان الذي يذبح فيه المشركون لآلهتهم تقرباً إليها وشركاً بالله صار مشعراً

من مشاعر الشرك ، فإذا ذبح المسلم ذبيحة ولو قصدها لله فقد تشبه بالمشركين

وشاركهم في مشعرهم ، والموافقة الظاهرة تدعوى إلى الموافقة الباطنة والميل إليهم

، ومن هذا السبب نهى الشارع عن مشابهة الكفار في شعارهم وأعيادهم وهيئاتهم

ولباسهم وجميع ما يختص بهم إبعاداً للمسلمين عن الموافقة لهم في الظاهر التي هي

وسيلة قريبة للميل والركون إليهم .



الفائدة السابعة والعشرن / الشرك إذا دخل القلب صعب إخراجه

فانظر إلى آثار الشرك وعروقه إذا علقت متى تزول وتنمحي ؟

فإن هذه الأصنام بقيت من يوم عبدت من دون الله حتى بعث محمد صلى الله عليه وسلم وكسرها ،

فالشرك إذا وقع عظيم رفعه وشديد ،

فإن نوحاً مع كمال بيانه ونصحه ودعوته إياهم ليلاً ونهاراً وسراً وجهراً

أخذ ألف سنة إلا خمسين عاماً ما أجابه إلا قليل ،

ومع ذلك أغرق الله أهل الأرض كلهم من أجله ،

ومع ذلك تلك الأصنام الخمسة ما زالت حتى بعث محمد صلى الله عليه وسلم وكسرها .

فيفيدك عظيم الشرك إذا خالط القلوب صعب زواله ،

كيف أن أصناماً عبدت على وقت أول الرسل وما كسرها إلا آخرهم .


الفائدة الثامنة والعشرون / مشركي زماننا أشد شركاً من مشركي قريش
لأن الأولين يشركون في الرخاء ويخلصون في الشدة ، ومشركوا زماننا شركهم دائم في الرخاء والشدة .

والدليل قوله تعالى : {فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوْا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ}العنكبوت65


الفائدة التاسعة والعشرون / قاعدة الأسباب

الأسباب نوعان :

النوع الأول / أسباب معلومة : وهي التي ثبتت عن طريق الشرع كالعسل ، أو عن طريق التجربة والقدر وكان السبب فيها ظاهراً لا ادعاء كالدواء المسهل للبطن ونحوه .

النوع الثاني / أسباب موهومة : وهي الأسباب التي لم تثبت لا عن طريق الشرع أو القدر .


الفائدة الثلاثون / كل من اتخذ سبباً لم يجعله الله سبباً لا شرعاً ولا قدراً فهو مشرك شركاً أصغراً
مثال ذلك : الخيوط التي تلبس ليتقى بها من العين ، فهذه لم يأمر بها الشرع بل نهى عنها، وليس فيها سبب ظاهر يستشفى به ، فمن لبسها متعلق بها فقد أشرك ، لأنه تعلق بسبب موهوم .





الدرس السادس

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمدلله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين

وعلى آله وصحبه أجمعين وعنا معهم بإحسان إلى يوم الدين ..،



الفائدة الحادية والثلاثون / من اتخذ الأسباب المعلومة واعتمد عليها فقد أشرك وقد يكون شركاً أكبراً أو أصغراً بحسب اعتماده عليها وتعلقه بها.

مثال ذلك : العسل قد حث الشارع على الاستشفاء به ، فمن شربه لكنه لم يعتقد أنه مجرد سبب بل جعله فوق السبب فقد أشرك شركاً أصغراً أو أكبراً بحسب اعتقاده .

الفائدة الثانية والثلاثون / الواجب فعله عند مباشرة الأسباب


أولاً : ألا يجعل منها سبباً إلا ما ثبت أنه سبب شرعاً أو قدراً .

ثانياً : ألا يعتمد عليها ، بل يعتمد على مسببها ومقدرها مع قيامه بالمشروع منها وحرصه على النافع منها .

ثالثاً : أن يعلم أن الأسباب مهما عظمت وقويت فإنها مرتبطة بقضاء الله وقدره ولا خروج له عنها .

الفائدة الثالثة والثلاثون / الرد على الشبه


الرد على الشبه يكون من وجهين :


الوجه الأول : جواب عام مجمل صالح لكل شبهة .

وهو التمسك بالمحكم ورد المتشابه إليه حتى يكون محكماً أو التوقف في معناها والإيمان بأن كلام الله لا يتناقض وأن كلام النبي صلى الله عليه وسلم لا يخالف كلام الله . قال تعالى: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُوا الأَلْبَاب}آل عمران7 وقال صلى الله عليه وسلم : (إذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمى الله فاحذروهم) .


الوجه الثاني : جواب مفصل يرد به عن كل شبهة بعينها .
وهذا لا يكون إلا لمن له علم واطلاع بكتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم قال تعالى : {وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلاَّ جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً}الفرقان33
قال بعض المفسرين : هذه الآية عامة في كل حجة يأتي بها أهل الباطل إلى يوم القيامة .


تنبيه : لكن ها هنا أمر يجب التفطن له وهو : أنه لا ينبغي للإنسان أن يدخل في مجادلة أحد إلا بعد أن يعرف حجته ، ويكون مستعداً لدحرها والجواب عنها ، لأنه إذا دخل في غير معرفة صارت العاقبة عليه إلا أن يشاء الله كما أن الإنسان لا يدخل في ميدان المعركة مع العدو إلا بسلاح و شجاعة .


الفائدة الرابعة والثلاثون / معنى حديث أسامة وما شابهه من الأحاديث
عن أسامة بن زيد رضي الله عنه قال : (بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الحرقة من جهينة فصبحنا القوم فهزمناهم ، ولحقت أنا ورجل من الأنصار رجلاً منهم ، فلما غشيناه قال : لا إله إلا الله . فكف عنه الأنصاري . وطعنته برمحي حتى قتلته. قال : فلما قدمنا بلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال لي : يا أسامة أقتلته بعدما قال : لا إله إلا الله ؟ قال قلت : يا رسول الله إنما كان متعوذا ً، قال : فقال : أقتلته بعدما قال لا إله إلا الله ؟ قال : فما زال يكررها علي حتى تمنيت أني لم أكن أسلمت قبل ذلك اليوم) .


الحديث ليس فيه دليل على أن كل من قال : لا إله إلا الله فهو مسلم ومعصوم الدم ، ولكن فيه دليل على أنه يجب الكف عمن قال : لا إله إلا الله ، ثم بعد ذلك ينظر في حاله حتى يتبين ؛لأن الله تعالى يقول : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا}النساء94 , فأمر الله تبارك وتعالى بالتبين أي التثبت ، وهذا يدل على أنه إذا تبين أن الأمر كان خلاف ما كان عليه فإنه يجب أن يعامل بما يتبين من حاله ، فإذا بان منه ما يخالف الإسلام قتل ، ولو كان لا يقتل مطلقاً إذا قالهالم يكن فائدة للأمر بالتثبت . وعلى كل حال فإن حديث أسامة رضي الله عنه ليس فيه دليل على أن من قال : لا إله إلا الله وهو مشرك يعبد الأصنام والأموات والملائكة والجن وغير ذلك يكون مسلماً .



الفائدة الخامسة والثلاثون / معنى حديث عتبان وما شابهه من الأحاديث
عن عتبان رضي الله عنه مرفوعاً : (إن الله حرم على النار من قال : لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله) .


لهذا الحديث عدة معانٍ عند أهل العلم :
المعنى الأول/ قال الحسن : معنى هذه الأحاديث من قال هذه الكلمة وأدى حقها وفريضتها.


المعنى الثاني/ إن ذلك لمن قالها عند الندم والتوبة ومات على ذلك ، وهذا قول الإمام البخاري .


المعنى الثالث/ قال ابن المسيب : كان هذا قبل أن تنزل الفرائض والأمر والنهي .
تنبيه : قال بعض المحققين :
قد يتخذ أمثال هذه الأحاديث المبطلة والمباحية ذريعة إلى طرح التكاليف ورفع الأحكام وإبطال الأعمال معتقدين أن الشهادة وعدم الإشراك كاف ، وربما يتمسك بها المرجئة ، وهذا الاعتقاد يستلزم طي بساط الشريعة وإبطال الحدود والزواجر السمعية . ويوجب أن يكون التكليف بالترغيب في الطاعات والتحذير عن المعاصي والجنايات غير متضمناً طائلاً بل يقتضي الانخلاع عن ربقة الدين والملة والانسلال عن قيد الشريعة والحكمة والسنة والولوج في الخبط والخروج عن الضبط .




الفائدة السادسة والثلاثون / الجواب عن حديث (أسألك بحق السائلين)
الجواب عنه من وجهين :
الوجه الأول : الحديث لم يثبت ، فلا يحتج به لأن في إسناده عطية العوفي وهو ضعيف مجمع على ضعفه كما قال بعض المحدثين .
الوجه الثاني : أنه ليس فيه توسل بحق شخص معين ، وإنما فيه التوسل بحق السائلين عموماً ، وحق السائلين الإجابة كما وعدهم الله بذلك ، وهو حق أوجبه على نفسه ولم يوجبه عليه أحد فهو توسل إليه بوعده الصادق لا بحق مخلوق .



الدرس السابع :

الفائدة السابعة والثلاثون / حكم التوسل بجاه النبي صلى الله عليه وسلم

التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم لا يجوز لأمور :
الأول : لأنه صلى الله عليه وسلم لا يملك لنفسه نفعاً ولاضراً .
قال تعالى : {قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلَا رَشَداً}الجن21, وقال : {قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلاَ ضَرّاً إِلاَّ مَا شَاء اللّهُ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَاْإِلاَّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ}الأعراف188

الثاني : لأنه صلى الله عليه وسلم لا يملك نفعاً ولا ضراً لأقاربه الأقربين فكيف بمن هم أبعد.
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : (لما نزلت هذه الآية {وأنذر عشيرتك الأقربين}الشعراء214 قام النبي صلى الله عليه وسلم فنادى : (يا بني كعب بن لؤي ! أنقذوا أنفسكم من النار. يا بني عبد مناف ! أنقذوا أنفسكم من النار. يا بني هاشم ! أنقذوا أنفسكم من النار. يا بني عبد المطلب ! أنقذوا أنفسكم من النار. يا فاطمة بنت محمد ! أنقذي نفسك من النار ، فإني لا أملك لك من الله شيئا ، غير أن لكم رحماً سأبلها ببلالها)[1].

الثالث : لأن جاهه ومكانته صلى الله عليه وسلم إنما تنفعه هو عند الله سبحانه ، أما السائل فلا ينتفع إلا بعمله هو وجهده وجاهه ومنزلته عند الله سبحانه وتعالى .


الفائدة الثامنة والثلاثون / حكم التوسل بحق المخلوق

لا يجوز لأمرين :
الأول : أن الله سبحانه لا يجب عليه حق لأحد ، وإنما هو الذي يتفضل سبحانه على المخلوق بذلك ، فكون المطيع يستحق الجزاء هو استحقاق فضل وإنعام وليس هو استحقاق مقابلة كما يستحق المخلوق على المخلوق .

الثاني : أن الحق الذي تفضل الله به على عبده هو حق خاص به لا علاقة لغيره به ، فإذا توسل به غير مستحقه كان متوسلاً بأمر أجنبي لا علاقة له به ، وهذا لا يجدي شيئا ً.

الفائدة التاسعة والثلاثون / حماية النبي صلى الله عليه وسلم لجانب التوحيد

لقد حمى النبي صلى الله عليه وسلم جانب التوحيد بكل وسيلة ومن ذلك :
1
- الترغيب في التوحيد ببيان فضائله وثمراته :
عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : (من مات لا يشرك بالله شيئاً دخل الجنة)
[2].

2- الترهيب من الشرك ببيان عواقبه وآفاته :
عن جابر رضي الله عنه قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : (من مات يشرك بالله شيئا دخل النار)[3].

3- بيان عظيم خوفه صلى الله عليه وسلم على أمته من الشرك :

عن محمود بن لبيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : (إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر . قالوا وما الشرك الأصغر يا رسول الله ؟ قال : الرياء يقول الله عز وجل لهم يوم القيامة إذا جزي الناس بأعمالهم اذهبوا إلى الذين كنتم تراءون فى الدنيا فانظروا هل تجدون عندهم جزاء)[4].وعن أبي سعيد رضي الله عنه قال : خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن نتذاكر المسيح الدجال فقال ( ألا أخبركم بما هو أخوف عليكم عندي من المسيح الدجال . قال قلنا بلى . فقال : الشرك الخفي أن يقوم الرجل يصلى فيزين صلاته لما يرى من نظر رجل)[5].
4- إرسال الدعاة لإزالة معالم الشرك :
عن أبي وائل عن أبي الهياج الأسدي قال : ( قال لي علي بن أبي طالب ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا تدع تمثالاً إلا طمسته ولا قبراً مشرفاً إلا سويته)[6].
عن جرير بن عبد الله قال كان في الجاهلية بيت يقال له ذو الخلصة ، وكان يقال له الكعبة اليمانية ، أو الكعبة الشامية ، فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( هل أنت مريحي من ذي الخلصة ، قال فنفرت إليه في خمسين ومائة فارس من أحمس ، قـال فكسرنا وقتلنا من وجدنا عنده ، فأتيناه ، فأخبرناه ، فدعا لنا ولأحمس)
[7].
5- التحذير من أفعال المشركين :
عن عائشة رضي الله عنها قالت : لما نزل برسول الله صلى الله عليه وسلم طفق يطرح خميصة له على وجهه ، فإذا اغتم بها كشفها عن وجهه ، فقال وهو كذلك ( لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد )[8] . يحذر ما صنعوا .
6- تصحيح المفاهيم :
عن قتيلة - امرأة من جهينة – (أن يهودياً أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال إنكم تنددون وإنكم تشركون تقولون ما شاء الله وشئت وتقولون والكعبة. فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم إذا أرادوا أن يحلفوا أن يقولوا : ( ورب الكعبة) . ويقولون : (ما شاء الله ثم شئت)[9].
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : (لا طيرة ، وخيرها الفأل قالوا وما الفأل ؟ قال : الكلمة الصالحة يسمعها أحدكم )[10].
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (لا عدوى ولا صفر ولا هامة . فقال أعرابي : يا رسول الله فما بال إبلي تكون في الرمل كأنها الظباء فيأتي البعير الأجرب فيدخل بينها فيجربها . فقال : فمن أعدى الأول)[11].
7- الدعاء على من عمل عملاً من أعمال المشركين :
عن علي رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( لعن الله من ذبح لغير الله )
[12].
8- النهي عن مشابهة المشركين والأمر بمخالفتهم :
عن ابن عمر رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (خالفوا المشركين أحفوا الشوارب وأوفوا اللحى )[13].
9- سد الذرائع المفضية للشرك :
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (لا تتخذوا قبري عيدا ولا تجعلوا بيوتكم قبورا وحيثما كنتم فصلوا علي فإن صلاتكم تبلغني)[14].
عن عمر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : (لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى ابن مريم عليه السلام فإنما أنا عبد الله ورسوله)[15].
10- بيان صور الشرك :
ومن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم : (إن الرقى والتمائم والتولة شرك)[16].
11- الإنكار على من عمل عملا من أعمال المشركين:
عن عمران بن حصين رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى رجلاً في يده حلقة من صفر ، فقال : ما هذه ؟ قال : من الواهنة ، فقال : انزعها فإنها لا تزيدك إلا وهناً ، فإنك لو مت وهي عليك ما أفلحت أبدا )[17].
12- الحث على الإنكار والترغيب فيه ببيان فضله وثوابه
عن سعيد بن جبير رحمه الله قال : (من قطع تميمة عن إنسان كان كعدل رقبة)
[18].

الفائدة الأربعون / التوحيد أعظم معروف أمر به والشرك أعظم منكر نهي عنه
قال تعالى : {قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادةً قُلِ اللّهِ شَهِيدٌ بِيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لأُنذِرَكُم بِهِ وَمَن بَلَغَ أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللّهِ آلِهَةً أُخْرَى قُل لاَّ أَشْهَدُ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَـهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ }الأنعام19
وقال تعالى : {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُواْ اللّهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ فَمِنْهُم مَّنْ هَدَى اللّهُ وَمِنْهُم مَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ فَسِيرُواْ فِي الأَرْضِ فَانظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ}النحل36
وقال تعالى : {وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ}لقمان13
عن ابن عمر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ، ويقيموا الصلاة ، ويؤتوا الزكاة ، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام ، وحسابهم على الله)[19]


-تم بحمدلله -

أسأل الله أن يكتب لي ولكم الأجر وينفعنا بما علمنا ويجعله حجة لنا لا علينا

وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وعنا معهم بإحسان

إلى يوم الدين .